{
  "chapter": 3,
  "lang": "ar",
  "verses": [
    {
      "id": "3.1",
      "translation": "يا جاناردانا، إن كنتَ ترى أن البصيرة أسمى من العمل، فلماذا تدفعني، يا كيشافا، إلى عملٍ مروّع؟",
      "explanation": "يتكلم أرجونا هنا وهو في حيرة من تعليم كريشنا في آخر الفصل الثاني، حيث مدح الحكمة الراسخة (بودهي) وحثّه أيضًا على القتال. ويرى أرجونا تناقضًا: فإن كانت الحكمة أعلى من العمل (كارما)، فلماذا يدفعه إلى حرب مروّعة؟ وقد تعني كلمة بودهي الفهم المميِّز أو يوغا الحكمة، ويختلف الشرّاح في مدى تفريق أرجونا الحادّ بين المعرفة والعمل."
    },
    {
      "id": "3.2",
      "translation": "بكلامٍ يبدو مختلطًا كأنك تُحيّر عقلي. فقل لي قولًا واحدًا قاطعًا أبلغُ به الخير الأسمى.",
      "explanation": "أرجونا في حيرة، فقد مدح كريشنا المعرفة (جنانا) والعمل (كارما) معًا، فبدا له الكلام مختلطًا ولم يعرف أيَّ الطريقين يتبع. فيطلب جوابًا واحدًا واضحًا يوصله إلى الخير الأسمى (شرِيَس)، أي النفع الدائم لا المنفعة العابرة."
    },
    {
      "id": "3.3",
      "translation": "في هذا العالم، يا عديم الإثم، بيّنتُ من قبل طريقين للثبات: يوغا المعرفة لأهل السانكهيا، ويوغا العمل لليوغيين.",
      "explanation": "كان أرجونا قد اشتكى من أن كلام كريشنا يبدو ملتبسًا، وطلب طريقًا واحدًا واضحًا إلى الخير الأسمى. فيجيبه كريشنا بأنه علّم منذ القدم طريقين للثبات (نيشثا): يوغا المعرفة (جنانا يوغا) التي يتبعها أهل السانكهيا، ويوغا العمل (كارما يوغا) التي يتبعها العاملون. ويختلف الشرّاح: هل هما طريقان منفصلان لمزاجين مختلفين، أم مرحلتان في طريق واحد؟ والآية نفسها لا تحسم ذلك."
    },
    {
      "id": "3.4",
      "translation": "لا يبلغ الإنسان التحرر من العمل بمجرد الامتناع عن بدء الأعمال، ولا ينال الكمال بمجرد التخلي عنها وحده.",
      "explanation": "يجيب كريشنا هنا عن حيرة أرجونا بشأن أيّ الطريقين أفضل: طريق المعرفة أم طريق العمل، بعد أن ذكرهما في الآية السابقة. يقول إن الامتناع عن العمل وحده لا يمنح التحرر من أثر العمل (نايشكارميا، أي الحال التي لا يعود فيها العمل يقيّد صاحبه)، وإن التخلي الظاهري (السنياسا) وحده لا يمنح الكمال (السيدّهي). وتختلف المدارس في فهمها: فبعضهم يراها مدحًا للعمل غير الطامع وسيلةً إلى المعرفة، وبعضهم يراها تعليمًا بأن العمل والتخلي الباطني يجتمعان معًا."
    },
    {
      "id": "3.5",
      "translation": "فلا أحد يستطيع أن يبقى لحظة واحدة دون أن يعمل؛ فكل كائن يُدفَع إلى العمل مقهورًا بالغونات المولودة من الطبيعة.",
      "explanation": "يواصل كريشنا جوابه عن حيرة أرجونا بين العمل والتخلّي. يبيّن أن أي كائن حي لا يستطيع التوقف عن العمل، لأن الغونات الثلاث، وهي صفات الطبيعة: ساتفا وراجاس وتاماس، تُبقي الجميع في حركة. فترك العمل تمامًا غير ممكن، والسؤال الحقيقي هو كيف نعمل. و«العمل» (كارما) هنا يشمل كل نشاط، حتى التفكير والتنفس، وليس الطقوس أو الأعمال المعتادة وحدها."
    },
    {
      "id": "3.6",
      "translation": "مَن كفَّ أعضاء العمل، وجلس وعقله يستحضر موضوعات الحواس، فهو مخدوع النفس، ويُقال له صاحب سلوكٍ زائف.",
      "explanation": "يشرح كريشنا لأرجونا لماذا لا يكون مجرد ترك العمل زهدًا حقيقيًا. فمن يمسك أعضاء العمل (كارميندريا) كاليدين واللسان، بينما يظل عقله يستحضر موضوعات الحواس (إندرياراثا)، فهو منضبط في الظاهر فقط. ولذلك يصفه كريشنا بأنه مخدوع النفس كاذب السلوك (ميثياتشارا)، لأن التعلق ما زال قائمًا في داخله."
    },
    {
      "id": "3.7",
      "translation": "أما من يضبط الحواس بالعقل، يا أرجونا، ويباشر بأعضاء العمل يوغا العمل (كارما يوغا) دون تعلّق، فهو الأفضل.",
      "explanation": "يقارن كريشنا هنا بين هذا الإنسان ومن ورد ذكره في الآية السابقة، الذي يكفّ جسده عن العمل بينما يظل عقله متعلقًا بموضوعات الحواس. أما هنا فالعقل هو الذي يضبط الحواس، ويظل الإنسان يعمل دون تعلّق (سانغا). وهذه هي كارما يوغا، أي نهج العمل دون التمسك بثماره."
    },
    {
      "id": "3.8",
      "translation": "أدِّ أنت عملك المفروض عليك، فالعمل خير من تركه، ومن غير عمل لن يتيسّر لك حتى حفظ جسدك وقيام معاشك.",
      "explanation": "يخاطب كريشنا أرجونا الذي يميل إلى ترك العمل، فيبيّن له أن الانقطاع عن كل نشاط ليس خيارًا حقيقيًا. «العمل المفروض» (نِيَتَم كارما) هو الواجب الذي يلائم دور المرء وحاله، ويختلف الشرّاح في المقصود به: هل هو الشعائر، أم الواجبات الاجتماعية (دارما)، أم الواجبات عمومًا. وحتى بقاء الجسد حيًّا يحتاج إلى جهد، فأداء الواجب خير من الخمول."
    },
    {
      "id": "3.9",
      "translation": "إنّ هذا العالم مقيَّدٌ بأعماله، إلا ما كان من عملٍ يُؤدّى قربانًا (ياجنا). فاعمل إذن، يا ابن كونتي، من أجل ذلك القربان، متحرّرًا من التعلّق.",
      "explanation": "يخاطب كريشنا أرجونا بعد أن بيّن أنّ العمل لا يمكن تركه، فيسأل: كيف يعمل الإنسان دون أن يقع في القيد؟ والقربان (ياجنا) هنا هو العمل الذي يُؤدّى عطاءً أو واجبًا لخير أعمّ، لا لمنفعة شخصية؛ فالعمل الذي يدفعه حبّ الذات يقيّد صاحبه (باندهانا)، أمّا العمل الخالي من التعلّق (سانغا) فلا يقيّده. ويختلف الشرّاح في معنى ياجنا: فمنهم من يراه الشعائر الفيدية، ومنهم من يراه الواجب الخالص أو تقديم كل عمل لله."
    },
    {
      "id": "3.10",
      "translation": "في البدء، بعد أن خلق براجاباتي، سيّد المخلوقات، الكائنات مقترنةً بالقربان، قال: «بهذا تتكاثرون، وليكن هذا لكم بقرةً تُدرّ عليكم كل ما تشتهون».",
      "explanation": "يواصل كريشنا بيان أهمية العمل المقدَّم قربانًا (ياجنا) مستشهدًا بقصة الخلق. فقد جعل براجاباتي، خالق الكائنات وسيّدها، القربانَ وسيلةً لينمو البشر وتُقضى حاجاتهم. وصورة البقرة المُجيبة للرغبات (كامادهوك) تعني أن الواجب المؤدّى بروح التقدمة يمنح الناس ما يحتاجون إليه حقًّا. وتختلف المدارس في معنى «ياجنا» هنا: أهو الطقس الفيدي أم كل عمل نزيه يؤدّى واجبًا بلا أنانية."
    },
    {
      "id": "3.11",
      "translation": "بهذا القربان أمدّوا الآلهة بالغذاء، ولتُمدّكم تلك الآلهة بالغذاء. وبتبادل العناية بعضكم ببعض تنالون الخير الأسمى.",
      "explanation": "يواصل كريشنا بيان كيف ربط الخالق (براجاباتي) البشر بالآلهة عبر القربان (ياجنا)، أي القرابين والواجب المؤدّى كتبادل مشترك. يعين البشرُ الآلهة (ديفا، القوى الإلهية وراء الطبيعة والحياة) بالشعائر والعمل القويم، وتعين الآلهةُ البشرَ بدورها. وهذه العناية المتبادلة (بهافانا) تقود إلى الخير الأسمى (شرياس). يفهم بعض القرّاء الآلهة حرفيًا، ويراها آخرون قوى الطبيعة أو قوى كامنة فينا."
    },
    {
      "id": "3.12",
      "translation": "إنّ الآلهة، وقد غذّتها القرابين، ستمنحكم ما تشتهون من المتع. ومن يتمتّع بما وهبته له دون أن يقدّم لها شيئًا في المقابل، فهو لصّ حقًّا.",
      "explanation": "يواصل كريشنا حديثه عن القربان (ياجنا)، أي أنّ الحياة تقوم على العطاء المتبادل بين البشر والقوى الإلهية (الديفا) التي تعيل العالم. ويقول هنا إنّ من يأخذ ما تمنحه الحياة دون أن يعطي شيئًا في المقابل أشبه باللصّ. ويختلف الشرّاح في المقصود بالقربان، فبعضهم يراه الطقس الفيدي، وبعضهم يراه كل واجب أو خدمة تُؤدّى بلا أنانية على سبيل القربان."
    },
    {
      "id": "3.13",
      "translation": "الأخيار الذين يأكلون ما بقي من القربان يتحرّرون من كل الذنوب، أمّا الآثمون الذين يطبخون لأنفسهم وحدها فإنما يأكلون الإثم.",
      "explanation": "يواصل كريشنا حديثه لأرجونا عن دور القربان (ياجنا) في الحياة. المعنى أن من يقدّم أولًا للآلهة وللآخرين وللخير العام، ثم يأكل ما بقي، يتطهّر من الذنوب (كيلبيشا)، أما من يأكل لنفسه وحده فطعامه إثم (أغا). يرى بعض الشرّاح القربان طقسًا فيديًّا حرفيًّا، ويراه آخرون كل عمل مشترك خالٍ من الأنانية."
    },
    {
      "id": "3.14",
      "translation": "من الطعام تنشأ الكائنات، ومن المطر ينشأ الطعام، ومن القربان ينشأ المطر، والقربان ينشأ من العمل.",
      "explanation": "يواصل كريشنا حديثه إلى أرجونا عن أهمية العمل المنزّه عن الأنانية حين يُقدَّم قربانًا (ياجنا). فيذكر سلسلة من الاعتماد المتبادل: الكائنات الحية تعتمد على الطعام، والطعام على المطر، والمطر على القربان، والقربان على العمل (كارما)؛ فعمل الإنسان جزء من نظام العالم الأوسع. ويختلف المفسرون في المقصود بالقربان هنا: هل هو الطقس الفيدي تحديدًا أم كل واجب يُؤدّى قربانًا؟"
    },
    {
      "id": "3.15",
      "translation": "اعلم أن العمل ينشأ من براهمان، وأن براهمان ينشأ من الأكشارا، أي الذي لا يفنى. ولذلك فإن براهمان الشامل لكل شيء مستقرٌّ دائمًا في القربان.",
      "explanation": "يواصل كريشنا شرح دورة القربان (ياجنا)، أي أن العمل المخلص الذي يؤدّى بوصفه واجبًا يحفظ العالم. وهنا يردّ العمل (كارما) إلى براهمان، ويردّ براهمان إلى الأكشارا، أي الذي لا يفنى، ثم يخلص إلى أن براهمان الشامل حاضر في القربان. ويختلف المفسرون في هذه المصطلحات: فبعضهم يرى براهمان هو الفيدا والأكشارا هو الأعلى، وبعضهم يرى براهمان هو الطبيعة الأولى (براكريتي) أو الجسد والعقل، والأكشارا هو الذات."
    },
    {
      "id": "3.16",
      "translation": "يا بارثا، مَن لا يواصل إدارة العجلة التي أُدِيرت على هذا النحو، يعيش في هذا العالم حياةً آثمة، لاهيًا بالحواس وحدها، وتكون حياته عبثًا.",
      "explanation": "يختم كريشنا هنا حديثه عن دائرة العطاء المتبادل: القربان (ياجنا) يُبقي العالم قائمًا، والعالم يُعين الإنسان بدوره. ومَن يأخذ من هذه الدائرة ولا يعطي شيئًا، ويعيش للذة الحواس (إندريا-آرامة) وحدها، يوصف بأنه «آثم العمر» (أغايو) وبأنه يعيش عبثًا. ويختلف المفسرون في ما تطلبه «العجلة»: فبعضهم يؤكد الواجبات الطقسية المقررة في الفيدا، وبعضهم يؤكد العمل غير الأناني المقدَّم لخير الجميع."
    },
    {
      "id": "3.17",
      "translation": "أمّا الإنسان الذي يجد سروره في الذات وحدها، ويكتفي بالذات، ويقنع بالذات وحدها، فليس عليه واجب يؤدّيه.",
      "explanation": "قال كريشنا قبل قليل إن من لا يُبقي «عجلة» العمل المشترك دائرة يعيش عبثًا. وهنا يذكر حالة مختلفة: إنسان يقوم سروره وقناعته ورضاه كلها على الذات (الآتمان)، فلا يدفعه هدف خارجي إلى العمل. وتختلف المدارس في فهم ذلك، فبعضها يرى أن العارف بالذات متحرر من الواجبات الملزمة، وبعضها يرى أنه يعمل بطبيعته لخير العالم كما سيبيّن كريشنا في الآيات التالية."
    },
    {
      "id": "3.18",
      "translation": "لا غاية له في ما يفعله، ولا في ما يتركه من الأعمال في هذا العالم. وليس له في أيٍّ من الكائنات كلها ما يعتمد عليه لتحقيق أي غاية.",
      "explanation": "يواصل كريشنا وصف من يجد سروره ورضاه في الذات (آتمان)، كما في الآية السابقة. فلا يكسب هذا الإنسان بالعمل شيئًا ولا يخسر بتركه شيئًا، ولا يحتاج إلى أحد من الكائنات ليحقق له غاية. ولهذا يتحرر من الإلزام، وهو ما يمهّد لوصية كريشنا في الآية التالية بالعمل دون تعلق (سانغا). ويختلف الشرّاح، والآية تحتمل القراءتين: هل المقصود زاهد تجاوز كل واجب، أم إنسان محرَّر ما زال يعمل؟"
    },
    {
      "id": "3.19",
      "translation": "لذلك أدِّ دائمًا العمل الواجب من غير تعلّق، فإنّ الإنسان الذي يعمل من غير تعلّق يبلغ الأسمى.",
      "explanation": "يردّ كريشنا على تردّد أرجونا في العمل؛ فبعد أن بيّن أن العارف بالذات لا يكسب ولا يخسر شيئًا من العمل، يخلص إلى أن على أرجونا أن يؤدي واجبه (كارما) من غير تعلّق (سانغا)، أي من غير تشبّث بثمرة العمل. ويُقال إن هذا العمل المتجرد يوصل إلى الأسمى (بارام). وقد فسّره بعض الشرّاح بالذات العليا أو التحرر، وفسّره آخرون بالله."
    },
    {
      "id": "3.20",
      "translation": "بالعمل وحده بلغ جاناكا وغيره الكمال. وإذ تنظر كذلك إلى صلاح العالم وتماسكه، فينبغي لك أن تعمل.",
      "explanation": "يرد كريشنا على رغبة أرجونا في ترك العمل، فيشير إلى الملك جاناكا وغيره من الحكام الحكماء الذين بلغوا الكمال (سانسيدّهي) وهم يؤدون واجباتهم. ثم يذكر سببًا ثانيًا للعمل، هو صلاح المجتمع وثباته (لوكا سانغراها) الذي يقوم على القدوة الحسنة. ويفهم بعض الشرّاح الكمال هنا على أنه التحرر بالعمل الخالي من التعلق، ويرى آخرون أن الآية تؤكد أيضًا قيمة الواجب الاجتماعي في ذاته."
    },
    {
      "id": "3.21",
      "translation": "كل ما يفعله الرجل البارز يفعله سائر الناس مثله، وما يجعله معيارًا يتبعه العالم.",
      "explanation": "يواصل كريشنا حديثه إلى أرجونا عن العمل من أجل صلاح العالم (لوكاسانغراها، كما في الآية السابقة). ويبيّن أن الناس ينظرون إلى القادة المحترمين بوصفهم قدوة، فيصبح سلوك القائد هو ما يشكّل سلوك الآخرين. وكلمة «المعيار» (برامانا) تعني المرجع أو الميزان الذي يُعرف به الصواب."
    },
    {
      "id": "3.22",
      "translation": "يا ابن بريثا، ليس لي في العوالم الثلاثة أي واجب يلزمني أداؤه، ولا شيء لم أنله وينبغي أن أناله، ومع ذلك فأنا ماضٍ في العمل.",
      "explanation": "كان كريشنا قد قال إن الناس يقتدون بمن يُعجبون به. وهنا يضرب المثل بنفسه: لا واجب بقي عليه ولا مكسب ينتظره، ومع ذلك يواصل العمل. ومراده أن يبيّن لأرجونا أن العمل لا يلزم أن ينبع من حاجة أو رغبة."
    },
    {
      "id": "3.23",
      "translation": "فلو لم أواظب يومًا على العمل دون كلل، يا ابن بريثا، لاتّبع الناس طريقي من كل وجه.",
      "explanation": "يواصل كريشنا شرح سبب استمراره في العمل مع أنه لا يبتغي شيئًا يناله. فالناس يقتدون بمن يُجلّونه، فلو ترك هو العمل (الكارما) لتبعه الآخرون وتخلّوا عن واجباتهم. والآية التالية تبيّن العواقب."
    },
    {
      "id": "3.24",
      "translation": "لو لم أقم بالعمل لهلكت هذه العوالم، ولصرتُ سببًا للاختلاط والفوضى، ولأفسدتُ هذه المخلوقات.",
      "explanation": "يواصل كريشنا حديثه مع أرجونا ليبيّن لماذا يعمل هو نفسه مع أنه لا يبتغي شيئًا. فلو ترك العمل لاقتدى الناس به، واختلّ النظام الاجتماعي والأخلاقي (كلمة سانكارا تعني الاختلاط أو الفوضى، وكثيرًا ما تُفهم على أنها اضطراب في الواجبات الاجتماعية)، ولتضرّرت الخلائق. والمعنى أن من يتطلع الناس إليه يتحمل مسؤولية أن يعمل عملًا صالحًا."
    },
    {
      "id": "3.25",
      "translation": "كما يعمل الجاهلون متعلّقين بالعمل، يا سليل بهاراتا، فليعمل العارف كذلك، لكن دون تعلّق، راغبًا في صيانة العالم وحفظ تماسكه.",
      "explanation": "يتحدث كريشنا إلى أرجونا عن العمل (كارما)، وقد قال قبل قليل إنه نفسه لا يكفّ عن العمل كي لا يختلّ نظام العالم. وهنا يقول إن على العارف أن ينشط في العمل كما ينشط الجاهل، الذي يعمل لأنه متعلّق (سانغا) بالنتائج، لكن دون ذلك التعلّق. والغاية هي لوكاسانغراها، أي حفظ تماسك العالم أو هداية الناس بالقدوة. ويختلف الشرّاح في التركيز: فبعضهم يبرز واجب العارف تجاه الناس، وبعضهم يبرز الحرية الداخلية من التعلّق."
    },
    {
      "id": "3.26",
      "translation": "لا ينبغي للعارف أن يزعزع عقول الجاهلين المتعلقين بالأعمال، بل عليه أن يؤدي جميع الأعمال متزنًا منضبطًا، فيحفزهم على القيام بها.",
      "explanation": "يتابع كريشنا حديثه إلى أرجونا عن كيفية تعامل العارف مع من لا يزالون متعلقين (سانغا) بالأعمال وثمارها. فلا ينبغي له أن يضعف ثقتهم بقوله إن العمل لا جدوى منه، بل يكون قدوة بإتقانه كل عمل بعقل ثابت منضبط (يوغا). فمن لم يستعد بعد للتخلي الباطني يكون استمراره في العمل خيرًا له من أن يُترك حائرًا."
    },
    {
      "id": "3.27",
      "translation": "إنّ الأعمال تجري من كل وجه بفعل غونات الطبيعة، أمّا من ضلّل حسُّ الأنا عقلَه فيظنّ: «أنا الفاعل».",
      "explanation": "يبيّن كريشنا لأرجونا هنا لماذا لا يعود الفعل في حقيقته إلى الأنا. الغونات هي الخيوط الثلاثة للطبيعة: الصفاء (ساتفا) والانفعال (راجاس) والخمول (تاماس). فمن يتماهى مع حسّ الأنا (أهانكارا) ينسب إلى نفسه أعمالًا تنتجها قوى الطبيعة. وتختلف المدارس في التركيز: فالأدفايتا تؤكد أن الذات شاهدة، أما مدارس التعبّد فترى أن الفاعل الحقيقي في النهاية هو الله."
    },
    {
      "id": "3.28",
      "translation": "أما من يعرف حقيقة أقسام الغونات والأعمال، يا ذا الذراعين القويتين، فإنه يدرك أن الغونات إنما تعمل في الغونات، فلا يتعلّق.",
      "explanation": "يقابل كريشنا هنا بين من أضلّه الأنا (في الآية السابقة) ومن يعرف الحقيقة. الغونات هي الخيوط الثلاثة للطبيعة (ساتفا وراجاس وتاماس) التي يتكوّن منها الجسد والعقل والحواس. العارف يرى أن العمل ليس إلا تفاعل هذه الخيوط، فلا يتعلق (سانغا) بفكرة «أنا الفاعل». وتختلف المدارس في تحديد «العارف»: فالأدفايتا تؤكد أن الذات شاهد خالص منفصل عن الطبيعة، بينما تؤكد القراءات التعبدية أن الفاعل في النهاية هو قدرة الله العاملة عبر الطبيعة."
    },
    {
      "id": "3.29",
      "translation": "إنّ الذين أضلّتهم غونات الطبيعة يتعلّقون بأعمال الغونات. فلا ينبغي لمن يعلم الكلّ أن يزعزع أولئك البطيئي الفهم الذين لا يعلمون إلا جزءًا.",
      "explanation": "يواصل كريشنا نصحه لأرجونا. إنّ من حيّرتهم صفات الطبيعة (الغونا: الخيوط الثلاثة للطبيعة التي تحرّك كل فعل) يتعلّقون (سانغا) بأعمالهم ظنًّا منهم أنهم الفاعلون وحدهم. ومن رأى الصورة الأوسع فلا ينبغي له أن يزعزع ثقتهم بالعمل، لأن ذلك قد يتركهم بلا وجهة. وهذا يعيد ما جاء في الآية 26 بعد أن بُيّن في الآيتين 27 و28 أن الفاعل الحقيقي هو الغونات."
    },
    {
      "id": "3.30",
      "translation": "فوِّضْ إليَّ كلَّ أعمالك بعقلٍ متوجّهٍ إلى الذات، وقاتِلْ خاليًا من الرغبة ومن الإحساس بالتملّك، وقد زالت عنك حمّى القلق.",
      "explanation": "يلخّص كريشنا نصيحته لأرجونا: اعمل، لكن قدِّم كل عمل له، وليكن عقلك متّجهاً إلى الذات (أدهياتما). وبالعمل دون تعلّق بالثمرة (آشيس) ودون تملّك (ماماتا) تزول حمّى القلق الداخلية (جفارا)، فيقاتل أرجونا أداءً لواجبه. وتختلف المدارس في معنى «أنا»: فبعضها يراه الإله الشخصي كريشنا، وبعضها الذات العليا الحاضرة في جميع الكائنات."
    },
    {
      "id": "3.31",
      "translation": "إنّ الناس الذين يتّبعون تعليمي هذا على الدوام، بإيمان ودون تتبّع للعيوب، يتحرّرون هم أيضًا من قيود الأعمال.",
      "explanation": "كان كريشنا قد أمر أرجونا أن يُسلّم أعماله كلها إليه وأن يقاتل دون تعلّق ودون شعور بـ«لي». وهنا يقول إن كل من يتّبع هذا التعليم باستمرار، بإيمان (شرادّها) ودون تتبّع للعيوب، يتحرّر من النتائج التي تقيّده بسبب العمل (كارما). وكلمة «أيضًا» (أبي) توحي بأن هذا التحرّر متاح لعامّة الناس لا للحكماء وحدهم. ويختلف الشرّاح: هل المقصود بـ«التعليم» التسليم التعبّدي لكريشنا، أم العمل غير الأناني عمومًا."
    },
    {
      "id": "3.32",
      "translation": "أمّا الذين يعيبون تعليمي هذا ولا يعملون به، فاعلم أنهم تائهون في كل علم، هالكون، فاقدو البصيرة.",
      "explanation": "يقابل كريشنا هنا بين الذين يتبعون تعليمه بإيمان في الآية السابقة، والذين يعيبونه (أسويا) ويرفضونه. فيقول إن هؤلاء حائرون في كل أنواع المعرفة وقد ضلّوا الطريق لأنهم يفتقرون إلى البصيرة (تشيتاس). والتعليم المقصود هو العمل دون تعلّق وتقديم الأعمال له، كما بيّنت الآيات السابقة."
    },
    {
      "id": "3.33",
      "translation": "حتى العارف يتصرّف وفق طبيعته الخاصة؛ فالكائنات تتبع طبيعتها، فماذا يفعل الكبت والقمع؟",
      "explanation": "يشرح كريشنا لأرجونا لماذا يتصرّف الناس كما يتصرّفون. الطبيعة (براكريتي) هي الميول الفطرية التي تشكّلها الغونات الثلاث، أي الخيوط الأساسية للطبيعة، وهي تدفع الجميع حتى الحكماء. لذلك فالقمع بالقوة (نيغراها) محدود النفع. ويختلف الشرّاح: فبعضهم يرى أن المقصود توجيه الطبيعة بالانضباط بدل محاربتها، وبعضهم يرى أنه تأكيد على قوة الطبيعة وضرورة التعامل معها بالوسائل الصحيحة كما توحي الآية التالية."
    },
    {
      "id": "3.34",
      "translation": "في كل حاسّة، تجاه موضوعها، استقرّ الميل والنفور استقرارًا ثابتًا. فلا ينبغي للمرء أن يقع تحت سلطانهما، لأنهما قاطعا الطريق عليه.",
      "explanation": "يخاطب كريشنا أرجونا بعد أن بيّن أن الكائنات كلها تسير وفق طبيعتها (براكريتي). وهو يوضح أن لكل حاسّة بطبيعتها ميلًا (راغا) ونفورًا (دفيشا) تجاه موضوعاتها، وأن هذين الأمرين، لا الحواس ذاتها، هما ما يعوق تقدّم الإنسان. وتُفهم الآية عادةً على أن المرء يستطيع أن يعمل دون أن يحكمه هذا الانجذاب والنفور؛ وتختلف المدارس: هل يكون ذلك بالضبط والانضباط، أم برؤية حقيقتهما بالمعرفة؟"
    },
    {
      "id": "3.35",
      "translation": "واجبُ المرء الخاص به، وإن أدّاه ناقصًا، خيرٌ من واجب غيره وإن أتقنه. الموتُ في أداء واجبه الخاص خيرٌ، أما واجب غيره فمحفوفٌ بالخطر.",
      "explanation": "كان كريشنا قد حذّر أرجونا من أن الميل (راغا) والنفور (دفيشا) عائقان في الطريق. وهو يقول هنا إن سفادارما، أي واجب المرء ودوره في الحياة، أسلم له من تقليد دارما غيره، ولو بدا ذلك التقليد أكثر إتقانًا. ويفهم كثير من الشرّاح القدامى سفادارما على أنه واجبات المرء بحسب طبقته الاجتماعية (فارنا)، ويفهمه آخرون على أنه طبيعة المرء وظرفه الخاص، واللفظ يحتمل الوجهين."
    },
    {
      "id": "3.36",
      "translation": "ثم بأي قوة يُدفَع هذا الإنسان فيرتكب الإثم، يا فارشنيا، وهو لا يريده، كأنما يُساق إليه بالقوة؟",
      "explanation": "سمع أرجونا للتو من كريشنا أن العمل بواجب المرء الخاص (سفادارما) خير من واجب غيره. فيسأل الآن مخاطبًا كريشنا بلقب «فارشنيا»، أي سليل أسرة فريشني: ما الذي يدفع الإنسان إلى الإثم (بابا) رغم إرادته، كأنه مُكرَه عليه؟ وجواب كريشنا في الآية التالية يبدأ تعليمه عن هذه القوة الداخلية."
    },
    {
      "id": "3.37",
      "translation": "هو الرغبة، وهو الغضب، وُلد من غونا الراجاس. إنه نهِمٌ عظيم، عظيم الإثم. فاعلم أنه هو العدوّ في هذا العالم.",
      "explanation": "كان أرجونا قد سأل للتو: ما الذي يدفع الإنسان إلى فعل الخطأ رغمًا عنه؟ فيجيب كريشنا بأن القوة هي الرغبة (كاما)، وهي تتحول إلى غضب (كرودها) حين يُعترض طريقها، وتنشأ من الراجاس، أي صفة (غونا) الحركة والتوق والشهوة. وكلمة «ماهاشانا» تعني «كثير الأكل»، أي لا يشبع أبدًا. وتختلف المدارس في اعتبار الكاما والكرودها قوتين أم قوة واحدة بوجهين، لكنها متفقة على أن كريشنا يسميها العدو."
    },
    {
      "id": "3.38",
      "translation": "كما تُغطّي النارَ الدخانُ، وكما تُغطّي المرآةَ الغبارُ، وكما يُحيط بالجنين غشاؤه، كذلك يكون هذا مغطًّى بذلك.",
      "explanation": "كان كريشنا قد سمّى الرغبة (كاما) عدوًّا، وهي وليدة الراجاس، أي غونا الشغف والاضطراب. وهنا يضرب ثلاثة أمثلة على التغطية: الدخان يحجب النار، والغبار يُعتِم المرآة، والغشاء يلفّ الجنين. وفي الآية التالية يتّضح أن «هذا» هو المعرفة (جنانا) التي تحجبها الرغبة، وتوحي الأمثلة الثلاثة بدرجات متفاوتة من التغطية."
    },
    {
      "id": "3.39",
      "translation": "إنّ المعرفة يا ابن كونتي مغطّاة بهذا العدوّ الدائم للعارف، الذي يتّخذ صورة الرغبة، وهو لا يشبع كالنار.",
      "explanation": "يواصل كريشنا جوابه عن سؤال أرجونا: ما الذي يدفع الإنسان إلى فعل الخطأ؟ هنا يسمّي الرغبة (كاما) عدوّ الحكيم الدائم، فهي تغطّي المعرفة (جنانا)، وكالنار لا تشبع مهما زيد لها من وقود. يختلف المفسّرون في المراد بالمعرفة: أهي معرفة الذات أم التمييز العام، لكنهم متفقون على أن الرغبة تحجب الرؤية الصافية."
    },
    {
      "id": "3.40",
      "translation": "يُقال إن الحواس والعقل والبصيرة هي مقرّه. وبها يحجب المعرفة ويُضلّ صاحب الجسد.",
      "explanation": "يواصل كريشنا جوابه عن سؤال أرجونا عمّا يدفع الإنسان إلى الإثم، وهو الرغبة (كاما) التي وصفها قبل قليل بأنها عدوّ لا يشبع للحكيم. يبيّن هنا أنها تعمل من داخلنا عبر الحواس (إندريا) والعقل (مانَس) والبصيرة (بودّهي)، فتحجب المعرفة وتُربك صاحب الجسد (ديهين). ويختلف الشرّاح: هل هذه الثلاثة مواضع حقيقية للرغبة أم مراحل تنتشر فيها؟ لكنهم متفقون على أنها تعمل من داخل الإنسان."
    },
    {
      "id": "3.41",
      "translation": "لذلك يا سيّد البهاراتا، اضبط الحواس أولًا، ثم اقتل هذا الشرير الآثم، المُهلك للعلم والإدراك المحقَّق.",
      "explanation": "قال كريشنا في الآية السابقة إن الرغبة (كاما) تستقر في الحواس والعقل والفهم وتحجب العلم. وهنا يقدّم لأرجونا الخلاصة العملية: فليضبط الحواس أولًا، ثم يقتلع الرغبة نفسها، وهي «الآثمة» (بابمان). ويختلف المفسرون في «العلم» (جنانا) و«الإدراك المحقَّق» (فيجنانا): فبعضهم يراهما معرفة الكتب المقدسة وتجربتها المباشرة، وبعضهم معرفة الذات ومعرفة العالم الأوسع."
    },
    {
      "id": "3.42",
      "translation": "يقولون إن الحواس سامية، وأعلى من الحواس العقل، وأعلى من العقل الفهم المميِّز، وما هو أعلى من الفهم فهو «ذاك».",
      "explanation": "كان كريشنا قد أمر أرجونا بضبط الحواس وإهلاك الرغبة (كاما) التي تُتلف المعرفة. وهنا يرسم سلّمًا من مستويات أدقّ فأدقّ في الإنسان: الحواس، ثم العقل (مانَس)، ثم الفهم المميِّز (بودهي)، ثم «ذاك» الذي يعلو عليها جميعًا. يتفق الشرّاح التقليديون على أن «ذاك» هو الذات (آتمان)، لكن بعضهم يفهمها على أنها ذات الفرد الشاهدة، وبعضهم على أنها الذات العليا."
    },
    {
      "id": "3.43",
      "translation": "فإذا عرفتَ على هذا النحو ما هو أعلى من الفهم المميِّز، فثبِّت نفسك بذاتك، واقتل، يا ذا الذراعين القويتين، العدوّ الذي يتخذ صورة الرغبة ويصعب التغلب عليه.",
      "explanation": "يختم كريشنا تعليمه في هذا الفصل بخلاصة عملية لأرجونا. بعد أن رتّب الحواس والعقل (مانَس) والفهم المميِّز (بودهي) ترتيبًا تصاعديًا، بيّن أن الذات (آتمان) أعلى منها جميعًا. فعلى أرجونا أن يثبّت نفسه بذاته ويقضي على الرغبة (كاما)، العدوّ العسير الغلبة. ويفهم بعض الشرّاح «تثبيت النفس بالنفس» على أنه ضبط العقل بالفهم المميِّز، وبعضهم على أنه الاستناد إلى الذات العليا."
    }
  ]
}
